يحيي بن حمزة العلوي اليمني
31
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
باختلاف معانيها ، وتحتها أسرار ولطائف ، فالباء ، للإلصاق ، وللوعاء ولبيان الجنس إلى غير ذلك من المعاني ، ولنذكر من ذلك ثلاث آيات من أجل التنبيه : الآية الأولى قوله تعالى : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 24 ) [ سبأ : 24 ] فانظر إلى براعة هذا المعنى المقصود وجزالة هذا الانتظام بمخالفة موقعى هذين الحرفين ، فإنه إنما خولف بينهما في التلبس بالحق والباطل ، والدخول فيهما ، وذلك من جهة أن صاحب الحق كأنه لمزيد قوة أمره ، وظهور حجته ، وفرط استظهاره راكب لجواد يصرفه كيف شاء ، ويركضه حيث أراد ، فلأجل هذا جعل ما يختص به معدى بحرف « على » الدال على الاستعلاء ، بخلاف صاحب الباطل فإنه لفشله ، وفرط قلقه ، وضعف حاله ، كأنه ينغمس في ظلام ، وموضع سافل لا يدرى أين يتوجه ولا كيف يفعل ، فلهذا كان الفعل المتعلق بصاحبه معدى بحرف الوعاء ، إشارة إلى ما ذكرناه ، ويؤيد هذا ما ذكره الله تعالى في سورة يوسف حيث قال : قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ( 95 ) [ يوسف : 95 ] . الآية الثانية قوله تعالى : إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [ التوبة : 60 ] فهذه أصناف ثمانية ، جعل الله الصدقات مصروفة فيهم لكونهم أهلا لها ومستحقين لصرفها ، لكن الله تعالى خص المصارف الأربعة الأول باللام ، دلالة على الملك والأهلية للاستحقاق ، وعدل عن اللام إلى حرف الوعاء في الأصناف الأربعة الأخر ، وما ذاك إلا للإيذان بأن أقدامهم أرسخ في الاستحقاق للصداقة ، وأعظم حاجة في الافتقار من حيث كانت دالة على الوعاء ، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات كما يوضع الشئ في الوعاء وأن يجعلوا مظنة لها ، وذلك لما في فك الرقاب وفي الغرم من الخلاص عن الرق والدّين اللذين يشتملان على النقص ، وشغل القلب ، بالعبودية ، والغرم ، ثم تكرير الحرف في قوله : وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ قرينة مرجحة له على الرقاب والغارمين ، وكان سياق الكلام يقتضى أن يقال : وفي الرقاب والغارمين وسبيل الله وابن السبيل . فلما جيء ب « في » مرة ثانية وفصل بها سبيل